ثقافة

"ثورة 17 تشرين": طرابلس تفتن اللبنانيين بروحها الطيبة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"ثورة 17 تشرين": طرابلس تفتن اللبنانيين بروحها الطيبة, اليوم الجمعة 1 نوفمبر 2019 02:10 صباحاً

ربما تحتاج الانتفاضة الشعبيّة في عاصمة الشمال اللبنانية، أن تكون حالة مستقلّة بمفاجآتها وبثراء دلالاتها. احتلّت الأحداث الثورية في طرابلس الشاشات، وتصدّرت عناوين الصحف المحليّة والعالميّة. والمشهد البانورامي لساحة النور، وهي تغصّ كلّ ليلةٍ بعد 17 تشرين الأول بأبناء المدينة وضواحيها، الذين يلّوحون بالعلم اللبناني وبأضواء هواتفهم التي بدت كمشاعل سحرية، وهم يتراصفون كتفًا لكتف بهندسةٍ دائرية حول اسم الجلالة العملاق "الله"، جعل من صورتها أيقونةً حقيقية للثورة وكلّ الساحات المنتفضة في لبنان.

ردًا على التهميش
حقّقت طرابلس توازنًا قويًا وفعليًا في تدوين تاريخ انتفاضة لبنان الحاليّة. لم تلعب دورًا هامشيًا في "الثورة" اللبنانية، بل ردّت على محاولات تهميشها المتعمّد باختراق الحدث إلى صلبه. واستطاعت بروح أهلها المتوثبين للتعبير عن أنفسهم أن تكون الركن الأساس في صناعة المشهد الثوري في لبنان، بأدواتها الخاصة. لفتت طرابلس الأنظار، وجذبت الإعلام المرئي (المحلي) الذي كان هو نفسه يشرّع الهواء لجَلدِها ونبذها وتشويه صورتها.

بدأوا ينظرون إلى المدينة كأنّها اكتشافٌ جديدٌ وغرائبي لم يتوقعونه. ومعظم التغطيات الإعلامية لأحداث طرابلس، بدت قائمة على الدهشة لشدة معاكستها التصورات النمطية عنها. وكأن لسان حالهم: "انظروا يا شعب لبنان والعالم.. لقد اكتشفنا أنّ طرابلس ليست داعشية، هي تغني وترقص وتفرح وتحبّ الحياة وتنتفض وتثور وتمزّق صور زعاماتها.. وأبناؤها الفقراء ليسوا مجرد قطيع ومستتبعين لدى أحزابهم. انظروا يا شعب لبنان والعالم.. ليست طرابلس من لونٍ واحدٍ، يوجد فيها المؤمن وغير المؤمن، الفقير والغني، الجاهل والمتعلم، السافرة والمحجبة.. وأهلها طيبون وطيبات"، فيها كل تلاوين المجتمع اللبناني وكل شروط تعايشه وقدرته على استنباط نمط حياة رحب.

في إحدى النقاشات حول دور الإعلام في التعاطي مع طرابلس بعد 17 تشرين، يقول أحد الأصدقاء جملةً بالغة الدّقة: "طرابلس لم تتغيّر، وإنّما تعاطي الإعلام معها هو الذي تغيّر". هذه هي الحقيقة الدامغة. فرغم كلّ الدماء والمآسي والقسوة والفقر والعوز، هذه هي طرابلس من "يوم يومها"، بأهلها وناسها وعاداتها وأطيافها وطبقاتها وألوانها، لم تتغيّر. وما ظهر إلى العلن في مشهد ثورتها، لم يكن مخفيًا أو مطموسًا، وإنّما كان يتعرض لحملة "تعميةٍ" ممنهجة، يتجلى أيضًا بإصرار السلطات المتعاقبة على تعطيل مشاريعها وإفساد إنمائها، مع كلّ ما تتميّز به من مقومات استثنائية في التاريخ والعمارة والمرافق والجغرافيا. وعلى مدار عقود، حُدّد لطرابلس دورها السّياسي الذي فُرض باستبدادٍ ملوّثٍ ببدعة "الديموقراطية التوافقية": هي صندوق بريدٍ فحسب، بالأمن والسياسة والانتخابات والطائفية، يتغذّى أهلها من وعودٍ كاذبة ووهمية لا يتحقق شيء منها.

التعرّف على المدينة
منذ أن نزل أبناء طرابلس إلى الشوارع، وملأوا الساحات للتّعبير عن غضبهم وثورتهم، وللإجهار بمطالبهم، نجول بين ناسها يوميًا من الصبح حتّى المساء. كأنّنا نعاود التّعرف من جديد على هذه المدينة، وهي مدينتنا، وعلى تماسٍ حقيقيّ من دون زيف. إنّها مدينة مثقلةٌ بالأوجاع، لكنّها مدينة الدّهشة. إذ كيف لمواطنٍ طرابلسيّ لا يجد لقمةً يأكلها، لديه مساحةٌ في تفكيره لخوض ثورةٍ والمطالبة بالحريّة؟ وكيف لهذا المواطن نفسه الذي يموت على أبواب المستشفيات لأنّ "ليس لديه ظهر يحميه" أن يفكّر بالمواطنة وضرورة فصل الدين عن الدولة؟

هذا ما يميّز طرابلس، ويجعل من ساحتها "عروسة الثورة": إنّها انتفاضة الفقراء والمعدومين. هي مدينة العاطلين عن العمل، والسواد الأعظم من أبنائها لا يتمتعون بالضمان الصحي. لا يقلقون على الليرة بالقدر نفسه لقلق بقيّة اللبنانيين، لأنّهم لا يملكون الليرات أصلًا. وليس لديهم حسابات متخمة في البنوك، ولا يعنيهم إغلاقها. المطلب المشترك لدى معظم الثائرين والثائرات في انتفاضة طرابلس، هو أنّ أقسى أحلامهم هو تلقي العلاج عند المرض، والدخول إلى المستشفى بكرامة من دون التذلل لأحد.

.. ولو بقي الجميع في منازلهم
في اليوم الثاني عشر من الثورة والإضراب العام، الإثنين، كانت الأمطار تهطل بغزارة في المدينة، والفيضانات تغزوها، و"الفساد" يطوف من المجارير الذي حوّل شوارعها إلى بركٍ ومستنقعاتٍ تغرق بها السيّارات وأقدام السائرين نحو ساحة "الثورة". لم تلجم العواصف غضب الثّوار. إيمان محمد (30 عامًا)، ربّة منزل وأمّ لثلاثة أطفال، تقول لـ"المدن" أنّها قررت النزول للتظاهر لو بقي الجميع في منازلهم. فـ"نزلت تحت الشتاء لأثور من أجل أولادي، لأنني في كلّ مرّة أضطر لإدخال أحدهم للمستشفى، أشعر بالذل، وأنا أطلب المعونة والمساعدة من هذا السياسي أو ذاك. لا أستوعب كيف أنني أحتاج لواسطة من أجل معالجة أولادي. لا أريد شيئًا من هذه السلطة غير حقّنا البديهي في الطبابة، ونحن أغلبنا من دون ضمان صحي، ونعاني من أوضاعٍ اقتصادية صعبة".

في ثورة 17 تشرين، خاضت طرابلس معركةً من نوعٍ آخر، وهي معركة العودة إلى قلب لبنان، ردًّا على معارك عزلها عن خريطته، معنويًا وسياسيًا وجغرافيًا وحتّى إنسانيًا. قبل يومين، وجدنا عضو بلدية طرابلس باسم بخاش، وهو أستاذ جامعي، يتظاهر مع أهل المدينة في ساحة النور. يقول لـ"المدن": "الوضع وصل لحدّ لا يمكن السكوت عنه في الإدارة السيئة للبلد في كلّ ملفاته، وقد حان الوقت للطالب بتغيير النظام بعد أن طفح الكيل، إذا لا يوجد أي ملف أو أيّ وزارة إلا ومنخورة بالفساد. وفي طرابلس، من أعلى منصب إلى أصغر وظيفة، جميعها محشوّة بالفساد، عدا عن المشاريع الفاشلة التي تضرب بالمدينة وتخرج منها رائحة الفساد والصفقات، والتنفيذ السيء".

مقاومة الشتاء
في الشتوة الأولى لطرابلس، غرقت بالسيول، وانسدّت المجارير، وفاضت المياه الآسنة في الساحات، وامتلأت الطرق المؤدية إلى ساحة النور بالمستنقعات. ورغم تضاؤل أعداد المتظاهرين بسبب الأحوال الجويّة وسوء الطرقات، انصرف بعض المعتصمين إلى إصلاح وإعادة تنظيم المنصة التي تضررت بفعل الأمطار، كما واظبت مجموعات من المعتصمين تحت الخيم على تنظيم الحلقات الحوارية حول الثورة وأدوات التغيير وأولويات المطالب، ومناقشة اقتراحات الخروج من الأزمة المستعصية راهنًا، وهذا وجهٌ من وجوه مقاومة طرابلس التي ترسم معالم مستقبلٍ زاهٍ، رغم كلّ حقول المصاعب والألغام، بعد أن دخل لبنان في نفقٍ مظلمٍ مع سلطة عهده الأنانيّ والمتسلط.


اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا